قميص سماوي (kamees Samawy) Sky-blue Shirt
الرواية الحائزة على المركز الأول في المسابقة الأدبية المركزية لعام 2011، ومسابقة كتاب الجمهورية لنفس العام
أنا صعلوك شبين بائع الدواء الذي يعرف الحكاية من بدايتها أمشي في جنازتها، وأمشي في جنازات الصالحين والفاسدين، اللصوص والغجر، الطبالين والعارفين الذاكرين، الأفندية وبنات الهوى، حسابهم عند ربهم وحكاياتهم لي. (قميص سماوي)
عن دار نوستالجيا للإعلام والنشر والترجمة، صدرت مؤخرًا رواية "قميص سماوي" للكاتب الروائي محمد عمرو الجمال. تقع الرواية في ٢٧٣ صفحة من القطع المتوسط. وعلى الرغم من أنها العمل الروائي الأول لصاحبها محمد عمرو الجمال، إلا أن العمل في سياقه العام يتبنى تقنيات غاية في الحرفية والمهارة من ناحية، ويقدم عالمًا روائيًا بالغ الثراء. فكل سطر في هذا العالم الروائي قد كُتب بكثير من الوعي الفني والإخلاص الإبداعي لفن الرواية دون عجلة أو ادعاء. من الصعب بمكان الشروع في قراءة مثل هذه الرواية دون إكمالها في وقتٍ قياسي مقارنة بعدد صفحاتها الذي يقترب من الثلاثمائة صفحة.
رواية قميص سماوي تعد نوعًا من الكتابة الروائية التي تجعلك حال الانتهاء من قراءتها ممتلئًا بشعورٍ ما غريب بأنساق معرفية مختلفة. ستنتهي من فعل القراءة لتجد نفسك وقد قابلت آدميين يمكن أن تلتقيهم في حياتك العادية على نحوٍ متكرر لكنك لن تتوقع مطلقًا أنهم يحملون كل هذه الحيوات التي تنبض بالغرائبية. إنها الرواية التي تستطيع عجن العالم من جديد وإعادة إنتاجه بعد أن تكون قد نكهته بخواص جديدة؛ وتفاصيل أخرى لا يراها العابر ولا يستوعب مداها حسير النظر.
إن سر هذه الرواية في المقام الأول يكمن في مدنية شبين الكوم، التي تقع على بعد ٧٠ كيلو مترًا شمال القاهرة. المدينة التي دائمًا ما أصفها ببلدة صغيرة تقع منطقة رمادية بين الريف والحضر. هل يمكننا أن نسمي العالم الذي تستعرضه الرواية عن شبين الكوم بأنه الحياة السفلية لهذه المدينة؟! هل يمكننا أن نطرح فرضية تعلن عن وجود طفرات آدمية سحرية لا تعلن عن سحريتها إلا في محيط جغرافي اسمه شبين الكوم.
البطولة في هذه الرواية غائبة، أو قل إنها موزعة بين:
بطل/ راوي ممسرح يحكي الرواية كلها بضمير الأنا المتكلم دون أن يخطئ مرة واحدة ويخبرك باسمه، مع ذلك فأنت كقارئ تستطيع أن تشم رائحته؛ وحين يكون على وشك الظهور على المسرح السردي سيهاجسك حضوره. علمًا بأنه لا يمنح نفسه أية بطولة، ولا يسعى لاستجلاب أقل قدرٍ من الشفقة. فهو الصعلوك، الفقير، الفاشل في كتابة الشعر وفي الإخراج المسرحي. الفاشل حتى في صيانة عرى الصداقة. الخائن/ مخبر ضابط أمن الدولة/ الحشاش أحيانًا/ المتصوف/ الكذاب/ المبتذل. يغوي امرأة ويتفق معها على الطلاق من زوجها ليتزوجها هو. يكتب التقارير الأمنية في رفاق عالمه. يتزوج من امرأة لا يحبها هربًا من سوء سمعته. يتصافق في عمله بصورة مشبوهة. هو يفعل كل شيء ولا ينتظر شفقة من أحد.
شبين الكوم بجغرافيتها التي يرسمها الراوي الممسرح بدقة مذهلة. لأنه يعلن من السطور الأولى في روايته عن تمام معرفته بكل شوارعها، بإشراقاتها في الصباحات، ووهجها أو قتامتها في الأماسي. ليلها ونهارها، أصيافها وشتاءاتها. إن ما تطرحه الرواية عن شبين الكوم يتبلور في متوازيات مدهشة مع شخوصها وعالمها السفلي؛ هذا العالم الذي يمتد من حياة الثقافة بما فيها من مسرح وأدب وعمل سياسي إلى الحشيش والخمور والمخدرات. وعبر هذا كل ندخل إلى حيوات مكتنزة بالدهشة ووارفة بالانكسارات والإحباطات وأفراح تحقق ومرارات إخفاق.
الهامش الآدمي الشاسع الذي لأجله قام الروائي بتهشيم المفهوم الكوني للمتن. فالمتن لدى الجميع منذ أرسطو يتمثل في السادة. المتن هو العالم الرائق البراق المنغلق على نفسه. المتن الأرسطي الباهت الذي لم يعد ـ في هذه الرواية ـ متنًا في مقابل الهامش الذي صفعه على قفاه، واستعمر موقعه بعجائبية ضاربة بوعينا القديم عرض الحائط، ومؤسسة لمعرفة جديدة بمتن جديد أتى من الهامش المنسي ليحتل الصدارة. حتى على مستوى الرواية ذاتها: خشبة الجوقة تدهس بحذائها "الكمبوشة" وتتربع في صدارة العلبة الإيطالية ولا تبرحها حتى السطر الأخير من الرواية كلها.
كما أشرنا سلفًا البطولة غائبة أو موزعة بين الراوي الممسرح الذي حكى كل شيء، وضن على القارئ باسمه، وشبين الكوم تلك البقعة التي تمثل هامشًا منسيًا في جغرافيا مصر، ثم الهامش الآدمي الشاسع الذي يضم: "الأستاذ عاطف، سناء، سليم الطبال، ومحمد حفني، وغادة، وشيماء، وجنية، وأم عصام، ومحمد نعيمه، ومحمود السبعاوي، وأحمد الصعيد ومحمود الحما، وعادل المصري، والدكتور صالح.... إلى آخر هذا الكرنفال الآدمي الصاخب الذي يضج بالحكايات؛ حلوها ومرها."
هناك مستوى من الحرفية في هندسة البناء السردي في رواية قميص سماوي. فلقد عمد الرواية من الفصل الأول إلى تجنب الترتيب الهرمي للأحداث. فلا هو افتتح روايته من نقطة النهاية ثم بدأ روايته مستعينًا بتقنية الـ Flash back، ولا هو بدأ الحكاية من أولها وانتهى بصورة حضوره المغاير من جديد في شوارع شبين الكوم. لقد بدأ من نقطة تتوسط الأحداث وهناك من قبلها (وهو كثير) وهناك ما بعدها وهو كثير أيضًا. والحرفية تكمن هنا فيما يمكن أن نصطلح على تسميته بالكولاج السردي Narrative Collage. والكولاج السردي هنا لا أستخدمه وفقًا للتعريفات المتداولة بوصفه منهجًا بحثيًا؛ بل بوصفه تقنية سردية يستخدمها الراوي الانتقائي، حين ينتقي ـ من وجهة نظره ـ ما يظن أنه يهم القارئ، على نحوٍ يسمح له باستكمال ما يشاع الاصطلاح عليه بالمسكوت عنه. إنه كولاج يشبه مدينة شبين الكوم. حيث تتجاور كل الصنوف والطعوم. المومس إلى جوار الأرملة المنكوبة إلى جوار الغجرية العاشقة جنبًا إلى جنب مع العجائز ورغبتهم في القفز على الزمن وامتلاك زمام الحياة. الجبان جنبًا إلى جنب مع الشجاع. الثوري في صحبة الأمنجي. كولاج تم انتقاء وحدات تشكيله بعناية كي نخرج بفسيفساء لا تدعي رسالةً خارجة، ولا تستجلب عطفًا ولا تنتظر خلودا.
278 pages
Other (ar) edition · First published 2018 by Nostalgia for Media, Translation & Publishing · ISBN 9789778540000
Be the first to rate this book
Keep track of what you read
Book Nook is a free reading tracker with a 3D bookshelf, a reading timer, challenges with friends and a Reading Wrapped at the end of the year. Add قميص سماوي (kamees Samawy) Sky-blue Shirt to your shelf in one tap.